اوتوديمقراطي

 

قد عاهدت نفسها منذ زمن بعيد بأن لا تخادعها وان لا تسمح لهذه الايام بان تعكر صفوها او تزعزع ما قد بنته من سكينة وثبات
كان ذلك لقناعةٍ بأنها مرآتها الأولى والأخيرة التي ما ان سمحت للكدورات بالتسلل اليها فلن تستعد هي بالمقابل لارتسام ملامحها فيها ولا لأن تعكس لها حقيقتها التي طالما كانت تراها فيها
فمن سنن وقوانين الحياة التي لن تتغير ولن تتبدل أن ما زرعته اليوم ستحصده في الغد
فلا تنتظر حصاد القمح وقد ملأت ارضك بذورا قد اتخذتها الحشرات قوتاً لها منذ عقد قد مضى


لم تكن على علم بأن ما عاهدت نفسها عليه تكاد الاستحالة بأن تقضي عليه وبأن هذه الدنيا بما فيها لن تنفك حتى تنال من هذه المرآة بكل صورها وانعكاساتها
فمن الواجب عليها ان تعكس ما يتوافق وابعاد تلك البقعة الجغرافية التي وجدت فيها
لم تكن تعلم بأن تلك الانعكاسات والصور التي ابهرتها ليست هي فقط من يظهر فيها او ينظر اليها فمن محرمات هذه البقعة الظهور بصورة حقيقية ذات ابعاد حقيقية ورؤية واضحة

من حق الجميع بعرف هذه البقعة ان يرسموا ما يشاؤون من الصور والانعكسات التي طالما حلموا بها فلا تنتج الا صورا مشوهة بلا ملامح وبانعكاسات متكسرة ومتبعثرة

حتى اصبح شعار هذه المرآة الدائم ” الأجسام في هذه المرآة اصغر وأبعد مما تبدو عليه في الواقع “

منحنا هذه البقعة الحق المطلق بادعاء المصلحة ان ترسم اي صورة تشاء وكأن كل من كسرت مرآته بات من حقه أن يرسم صورته المشوهة في مرآة غيره

فبدايةً رسمنا احلامنا المبعثرة وأمانينا الضائعة على مرآة أطفالنا
حتى فقدوا الرؤية لاي شيء سوى لتلك الانعكاسات المبعثرة لصورهم على هيئاتنا التي طالما حلمنا بها ومنعنا عجزنا وفشلنا بان نحققها

وما ان اعتادوا على صورهم المشوهة بهيآتنا وهبوا لتشوهات ما على هذه الارض
فقد منحنا هذه البقعة الحق المطلق لرسم افكارهم تخيلاتنهم وحتى ايمانهم فما تجاوز ايمانهم أبواب بؤر التلقين تلك التي لم يلقنوهم فيها سوى تشريعاتهم التي لا توافق سوى أهوائهم فما كانت انعكاسات هذا الايمان الصوري سوى انعكاسات عرجاء ندّعي بها الدين والتدين وندافع عنه ونموت لأجله وما أبعد انعكاساتنا وتعرجاتنا عنه .. لم تتجاوز تساؤلاتهم حدود “حلال ام حرام ؟!”
وما ان تجاوزت السياق تسارعت الصور الأخرى بتكميمها وتهذيب نشوزها واضطراباتها واصبحت من مصادر تهديد أمن واستقرار هذه البؤرة

وما ان تجاوزت صورهم اعوجاج تلك البؤر حتى وصلت لما قد يهلكها من التناقضات والاعوجاجات فقد عُلِّموا في قصائد الشعر والاغاني الوطنية التي سمعوها كل صباح في طابورهم المدرسي بأن الوطن أغلى نملك وبأن كل عطائنا هو هبة لهذه الأرض التي آوتنا وحمتنا
فما وجدوا الى ان تلك القصائد هي ابعد الانعكاسات عن هذا الواقع
فصوتك الذي كان امانة في نهاية المطاف سيذهب لمن يدفع أكثر ولمن يعدك بتحقيق احلامك الوهمية بايصال صوتك لمكانه المنشود لتجد صوتك قد مُحي واختفى تحت انقاض الاصوات التي سبقتك
فصمتك الآن أغلى ما نملك

وجدوا بأن عطائك نتيجته لن تراها سوى في جيب غيرك وانتاجات عقلك لن تراها الا في ابداعات غيرك
هكذا ستمنح وسام الشرف والانتماء لهذه الارض التي منحتك الأمان مع وقف التنفيذ لمحالفة مع بقعة اخرى او بصفقة مع ثانية
فبرفة عين ستصبح لاجئاً في أرضك ارهابيا بمرآتك ان هددت امن هذه البقعة بحقيقة انعكاساتك او بوضوح صورك

ستكون على يقين في نهاية المطاف بأنه من الواجب عليك ان تكون “أوتوديمقراطي” بامتياز فهكذا ستمنح حق ممارسة تناقضاتك وتشوهات انعكاساتك بكل امان وأريحية فقط أفسح المجال لنفسك بأن تتمتع بها وتمارسها مع اولادك واحفادك وأحفاد أحفادك ..